يمر العالم اليوم بجائحة، قد تكون الأسوأ- حسب بعض المصادر- لما لها من تبعات صحية واجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، قد تمتد لسنوات قادمة.

إن أزمة فايروس كورونا المستجد، التي نعيشها الآن، والتي بدأت منذ أواخر ديسمبر 2019، في مدينة ووهان الصينية، وقضت حتى الآن على ما يزيد عن 37.599 حالة وفاة حول العالم، والعدد قابل للزيادة من 200 ألف، إلى 1.7 مليون وفيات حول العالم – حسب السيناريوهات الأسوأ لتقارير المركز الأمريكي للسيطرة على الأمراض والوقاية منها، والمنشور في صحيفة النيويورك تايمز (13 مارس 2020)، ووفقاً للمركز فإن الأرقام ستتغير بالتراجع، إذا ما غيّر الناس عاداتهم، واستجابوا لتوجيهات حكوماتهم، بالبقاء في المنازل، وتجنب المخالطة، والعمل عن بُعد، والتزام عادات النظافة والغسل الدائم للأيدي وتعقيمها.

هذه الأزمة العالمية، جعلت جميع الظروف غير مستقرة، ويكسوها الغموض، مع ارتفاع معدلات عدم القدرة على التنبؤ بالقادم، صعوداً أو هبوطاً، سلباً أو إيجاباً، وعلى المستوى المحلي أو العالمي.

وهنا تبرز الحاجة إلى أهمية القيادة في إدارة الأزمات، فالعالم قرية كونية، ولا يمكن لبلد أن يعيش في معزل عن التداعيات والأحداث العالمية، وما نراه – نحن المختصين في علوم وفنون الإدارة والقيادة – أن دولتنا الرشيدة، أيدها الله، قدّمت تضحيات استباقية كبيرة، في سبيل صحة وبقاء الإنسان، وأدارت وتدير، الأزمة الصحية العالمية، باحترافية، منذ ظهور المؤشرات الأولية لها.

فالفايروس الذي بدأت شرارته من شخص واحد في الصين، ها هو الآن يهجم، ودون هوادة على 201 دولة، ويستشري في دول أخرى، كنا نراها قوى عظمى، لكنها تباطأت وتهاونت في إدارة الأزمة، حتى أوشك بعضها على فقد السيطرة عليه، والتخلي عن أرواح، في مقابل إنعاش أرواح أخرى، أو ما يطلق عليه سياسة طب الحروب، كما في إيطاليا، إذ بلغ عدد وفيات الفايروس لديهم، حتى تاريخ كتابة هذا المقال (11591 حالة وفاة) متجاوزاً لعدد وفيات الصين – بؤرة المرض الأساسية – والعدد يزداد ويتسارع يومياً، وحسب ما أشار رئيس وزراء إيطاليا جوزيبي كونتي (أن هذه الأزمة، هي الأصعب عليهم منذ الحرب العالمية الثانية)، فالاستهتار، وعدم الجدية، والبيروقراطية، وتأخر اتخاذ القرار تسبب بانهيار المنظومات الصحية لدى دول كبرى.

لقد عملت القيادة السعودية – بعد فضل الله ومشيئته – على اتخاذ قرارات وتدابير احترازية واستباقية، سريعة ومتسلسلة، بدأت بتعليق الدراسة، عند ظهور الاصابات الأولى في مدينة القطيف، في الثاني من شهر مارس 2020، إذ تم تعليق الدراسة في القطيف أولاً، ثم وفي اليوم التالي مباشرة، تم تعليقها في كافة مناطق المملكة، تبعه القرارات المفصلية الأخرى، من منع للتجمعات، وإيقاف للعمرة، ثم تعليق للعمل في القطاعين الحكومي والخاص، والتحول لمنظومات وتقنيات الدراسة والعمل عن بُعد، وصناعة نماذج عمل وتعلم مبتكرة.

تلا ذلك ايقاف لصلوات الجماعة والجُمع، في جميع المساجد، واستثناء الحرمين الشريفين، باتخاذ تنظيمات واحترازات معينة فيهما، ثم إيقاف للرحلات الداخلية والدولية، ثم إغلاق المحلات والمطاعم وعدد من الأنشطة الغير ضرورية في فترات معينة من اليوم، مع الإبقاء على أنشطة أخرى ملحة، وليس آخر هذه التدابير والاحترازات من فرض حظر للتجول الجزئي، في عموم المملكة، والكامل في بعض الأحياء.

كما سبق ذلك، الحدث الأبرز، والمتمثل في الكلمة الضافية والمحورية، لقائد هذه البلاد المباركة، خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز-حفظه الله- والتي أطلّ فيها، متحدثاً وبكل صدق لابنائه المواطنين والمقيمين على حد سواء، مؤكداً ومُطمئناً الجميع، على حرص الدولة على توفير ما يلزم المواطن والمقيم، من دواء وغذاء واحتياجات معيشية، داعياً الجميع إلى التكاتف وتعزيز الوعي الفردي والجماعي، في سبيل مواجهة هذه الجائحة.

ويأتي ظهور المتحدث الرسمي لوزارة الصحة، اليومي، وبشفافية؛ ليقطع الطريق على أي معلومة خاطئة، أو شائعة قد تهز ثقة المواطن والمقيم في أنظمة هذه الدولة، وطرق تعاملها مع هذا الوباء، ونشر المعلومات اليومية والدقيقة عنه، تأكيداً على جعل الإنسان وسلامته أولوية عليا. كما أن المؤتمر الصحفي لوزراء الصحة والمالية والتعليم، جاء طمأنة على الأوضاع الصحية والاقتصادية والتعليمية للبلد، وثبات اقتصاده العالمي، واستعداد الدولة، لتحمل تبعات هذا الوباء، ودعم القطاع الخاص والمنشآت المتضررة بمليارات الريالات.

وعلى الصعيد العالمي، لإدارة الأزمة، جاءت رئاسة المملكة لقمة العشرين الاستثنائية، الافتراضية، مظهرة دور المملكة العربية السعودية، ودعوتها لقادة اقتصادات العالم؛ للوقوف والتعاون، لمواجهة وباء كوفيد19. كما ظهرت سفاراتنا وقنصلياتنا في دول العالم المختلفة، بل وتواجد عدد من سفرائنا في  مطارات تلك الدول، وهم يقفون مع أبناء الوطن المبتعثين أو المسافرين العالقين، في أنحاء العالم، ويقومون بخدمتهم ومتابعة تسكينهم وتوفير بدائل لهم، حتى حين عودتهم إلى أرض الوطن سالمين. إن هذا الوطن المعطاء، قد احتضن أبنائه من المواطنين والمقيمين، في الرخاء والشدة، وتحمل مسؤوليات وتبعات هذه الجائحة كاملة، مما جعل المملكة العربية السعودية، نموذجاً يحتذى به في استراتيجيات إدارة الأزمات، وتشير إلى إنجازاته دول كبرى، ونشير نحن وبفخر – بفضل الله – إلى قدرة هذا الوطن وعلو شأنه بين باقي الدول.

ومن قراءة للمؤشر العالمي المباشر، لأحداث كورونا حول العالم، نجد أن دولاً كانت تتقدم العالم، في عدد الإصابات ونسب الوفيات، تراجعت لمراتب أقل، وذلك للسياسات الاحترازية والفاعلة، التي قامت بها حكوماتها، وقابله كذلك، ارتفاع في نسب الوعي لدى شعوبها، والتزام تام بتعليمات دولهم، كما هو حادث الآن في دولتي اليابان وكوريا الجنوبية، إذ انخفضت معدلات الإصابة والوفاة اليومية لديهم.

ومن هنا يتوجب علينا، مواطنين ومقيمين، التعاون – من أجلنا – مع الحكومة السعودية، ومسؤوليها، واستشعار مسؤوليتنا الفردية والمجتمعية، وتنفيذ تعليمات الجهات المختصة، من البقاء في المنزل، وتجنب المخالطة، والحفاظ على الأرواح، وكلها أيام محدودة، وسنتجاوز بفضل الله، ثم بحكومتنا وقيادتها الواعية، هذه الأزمة التاريخية، والتي سنحكيها للأجيال القادمة، كفيلم واقعي، كنا كُتّابه، وأبطاله والمشاركين فيه.

 

                                                    بقلم/ د. أميمة منور البدري

دكتوراه التخطيط الاستراتيجي والجودة

31 مارس 2020                

        @Omaima_Albadry

   E.mail:  o_albadry@hotmail.com